الفيض الكاشاني
37
مجموعة رسائل
فان قلت : بم يعرف قدر الأعمال ، وما معنى رجحانها وثقلها ؟ فاعلم : أنّ لكلّ عمل من الأعمال البدنية تأثيراً في النفس ، فإن كان من باب الحسنات والطّاعات كالصلاة والصيام والحجّ والزكاة والجهاد وغيرها فله تأثير في تنوير النفس وتخليصها من أسر الشهوات وتطهيرها من غواسق المادّيات وجذبها من الدنيا إلى الأخرى ومن المنزل الأدنى إلى المحلّ الأعلى ؛ فلكلّ عمل منها مقدار معين من التأثير في التنوير والتهذيب ؛ وإذا تضاعفت وتكثّرت الحسنات فبقدر تكثّرها وتضاعفها يزداد مقدار التّأثير والتّنوير ؛ كذلك لكلّ عمل من الأعمال السيئة قدر معين من التّأثير في إظلام جوهر النّفس وتكثيفها وتكديرها وتعلّقها بالدّنيا وشهواتها وتقييدها بسلاسلها وأغلالها ، فإذا تضاعفت المعاصي والسيئات ازدادت الظلمة والتكثيف شدّةً وقدراً ؛ وكلّ ذلك محجوب عن مشاهدة الخلق في الدنيا ، وعند قيام الساعة وارتفاع الحُجُب تنكشف لهم حقيقة الأمر في ذلك ، ويصادف كلّ أحد مقدار سعيه وعمله ، ويرى رجحان إحدى كفّتى ميزانه وقوّة مرتبة نور طاعته أو ظلمة كفرانه . قال بعض العلماء : « من لم يخلص بقوّة اليقين ونور الإيمان والتوحيد عن قيد الطبيعة وأسر الدنيا فذاته مرهونة بعمله ، فهو بحسب مزاولة ( « 1 » ) الأعمال والأفعال وثمراتها ونتايجها وتجاذبها للنفس إلى شئ من الجانبين بمنزلة ميزان ذي كفّتين ، إحدى كفّتيه تميل إلى الجانب الأسفل أعنى الجحيم بقدر ما فيها من متاع الدنيا الفانية ، والأٌخرى تميل إلى الجانب الأعلى ودار النعيم بقدر ما فيها من متاع الآخرة ؛ ففي يوم العرض
--> ( 1 ) - زاوله مزاولةً وزوالًا : حاوله وطالبه ، ومن المجاز يقال : مزاولة الأعمال : ممارس لها .